من أجل مجلس وطني تأسيسي

أخطّ هذه الكلمات و كلّي أمل و ترقّب قبل إنتخابات المجلس الوطني التأسيسي، و سرعان ما ينتابني الخوف على مستقبل بلادي، شخصيا لا أخاف من ما ستفرزه صناديق الإقتراع فنتائجها ستعكس تطلّعاتي شعبي، و شعبي و إن حاول البعض التأثير عليه إعلاميا، و الأخرون تجييش عواطفه الدينية، و البعض الأخر تخويفه من الإنتخابات و نتائجها، ستبقى كلمة شعبي هي الأعلى و الأبقى، لكن ما يقضع مضجعي و يطير النوم من عيني هو هول ما رأيت ممّا سمّي -زورا و بهتانا- أحزابا و مستقلّين، و صراعاتهم و « نقاشاتهم » و هم لم يُنتخبو بعد.

عندما أتحدّث عن الأحزاب فإني لا أقصد الأشخاص فحسب، بل المنظومة بكاملها، فبعد أن قتل جميع التونسيين تقريبا الأب فيهم يوم 14 جانفي، و بعد أن تصوّرنا أننا قد تخلّصنا دون رجعة من كل منظومة إستبداد ممكنة أطلّت علينا أحزاب « مناضلة »، « وقفت أمام الإستبداد »، « قُمعت »، أطلعّت علينا مُمجدة زعاماتها طالبة منّا فروض الولاء و الطاعة، فكان منهم من دخل الحكومة يوما ليعتبر من يتظاهر أقليّة و شرذمة لا تمثّل الشعب، أما الأخر فأصبح الناطق الرسمي بإسم الدّين و تبعه من يتمعّش من فتاته مؤكدين أن كل من يعارضه هو من أبناء بن علي، أما الشقّ الثالث فكان الناطق الرسمي بإسم الثورة و أصبح يتخيّل البوليس السياسي حتى في ذرة الغبار التي تدخل عينه مصادفة.

بعد ذلك بشهر و نيف، إجتمعت الطّامة و العامّة لتطالب بمجلس لحماية الثورة كما لو أن الشعب اللذي أطاح بالنظام ليس قادرا على إعادة بنائه، ضاربين عرض الحائط بمطلب أساسي للشعب: أن لا يحكمنا من لم نختره، و لن أُطيل عليكم فكلّكم يعرف ما آلت إليه اللجنة من حال، فناقش سياسيونا الأشاوس على سبيل الذكر لا الحصر قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني عندما كان جرحى الثورة لا يزالون ينزفون دما، و لم يناقشو قانون الأحزاب و الإشهار السياسي إلا شهرا قبل بداية الحملة، و هذا غيض من فيض تقيحات المجلس المشؤوم، أما عن علاقاتهم الثنائية فحدّث و لا حرج، فبفضلهم علمت أن كل السياسيين تعاملو بطريقة أو بأخرى مع المخلوع، و أن أقصى طموحاتهم كانت الحق في التعبير، لكن التعبير عن ماذا؟ لا أحد يعلم! بإمكاني كتابة مجلدات حول نقائص و عيوب كل حزب على حدة، لكنني سأعجز عن ملأ ورقة واحدة حول مزاياهم و ما قدّموه لوطنهم (لا لأحزابهم)، كما أنّهم أشد قسوة على بعضهم البعض و أكثر تشويها من بن علي لهم.

كنت أتصوّر أن المجلس التأسيسي كان سيمكننا من إسترجاع الوقت المهدور، كنت أتصوّر أن مثقفينا سيستغلو فرصة تاريخية لفتح نقاشات و حوارات حول كل ما حُرمنا من الحديث حوله مدّة خمسين سنة، خياراتنا السياسية و الثقافية و الديبلوماسية و اللغوية و غيرها، لكّن سياسيّنا، أول ما بدأ النقاش العام – بعيوبه و سلبياته – حول بعض المواضيع الهامة حتى أطلقو زافرة نهايتها: لن نغيّر الفصل الأول من الدستور! عن أي دستور تتحدّثون يا سادة؟؟؟ ألم نرفضه بطمّ طميمه؟ لنفرض جدلا أن هذه الصياغة هي الأنسب، هل يكفي هذا لنسلّم بها؟ ألم نثر على كل ما سبق يوم 17 ديسمبر؟ ثم نمرّ لمجلة الأحوال الشخصية فترى الإسلامي و التقدمي يدافعون عنها بنفس الشراسة رغم تعارضها مع قيم الأول و الثاني، فكل موقف شعبوي سياسوي هو الأفضل حاليا و لتذهب إلى الجحيم هذه الفرصة التاريخية لتحرير عقد إجتماعي في القرن الحادي و العشرين دون ضغط الإيديولوجيات، فقط مصلحة الشعب، لكن، هل من مهتم اليوم لمصلحة الشعب؟

ما أطلبه اليوم و ما أتمنّاه هو أن لا يرتفع عدد المُنتخبين من سقط المتاع و حثالة السياسويين، أن يضع نوّابنا نُصب عينيهم دماء الشهداء، أسباب سقوطهم في ساحات الحرية، نموت نموت و يحيا الوطن، لقد أهداكم الشعب ثورة و مجلسا تأسيسيا على طبق من ذهب فلا تخذلوه، مات البوعزيزي من أجل الشغل و الكرامة، فلا تتنكرو له، نريد مجلسا شعبيا تأسيسيا للشعب و من أجل الشعب فكونو على العهد…

صابر عبّاس –

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.