(3/4) ما مدى استقلالية الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في تونس؟

تسليط الضوء على حالات ضعف البصر

لا تزال الإعاقة من المسائل الحساسة،  في المجتمع التونسي. فلا يرقى طرح مثل هذا الموضوع، إلى ما يليق به. ويدخل في هذا الإشكال الأشخاص الذين يعانون من الإعاقة أنفسهم، وأقاربهم أيضا.

لا ريب أن طرح مثل هذه المسألة يسبب قدرا كبيرا من الإحراج، حيث إنها ترتبط بعدم تمام استقلالية الشخص المصاب في شؤون حياته. بل إنه في أحيان كثيرة قد يقفز تصور خاطئ إلى أذهان بعض الناس عند الحديث حول هذه المسألة: أن الإعاقة تجعل صاحبها مواطنا من الدرجة الثانية! فما حقيقة هذا الأمر في تونس؟ وماذا لو قلنا لك إن بعض القوانين تساعد في تعزيز هذا التحيز؟

ضعف البصر ليست استثناء من هذه القاعدة. 

فقد سلطنا في مقال سابق الضوء على ضعف معرفته من قبل عامة الناس وقلة العناية من قبل السلطات المختصة. لكن يجب أن نؤكد هنا أن قصر التعاطي مع هذا الإشكال في الناحية العلاجية، من نظارات طبية وغيرها من وسائل التطبيب، إنما هو إعراض عن سبل كثيرة لتسهيل حياة ذوي الاحتياجات الخاصة. فلا بد من توفير وسائل المساعدة ووسائل التعويض لتعزيز الوصول إلى استقلالية الأشخاص المعنيين. إن المعالجة المتكاملة لهذا الإشكال لا بد أن تغطي مساحة واسعة تشمل تنفيذ المهام اليومية في المنزل، وتشمل أيضا مسألة التنقل أو النفاذ إلى المعلومات.

شخص ضعيف البصر غني عن المساعدة المباشرة، هل يمكن تحقيق هذا؟

توجد حلول تعويضية كثيرة وتبدأ بالدعم النفسي الذي يساعد إلى انتقال الفرد إلى منطقة القبول والخروج عن منطقة إنكار الإعاقة. ثم تأتي بعد ذلك حلول لها معنى تنظيمي جيد. فيوجد على سبيل المثال طرق مبتكرة للتخزين و تنظيم الأمتعة.

يجد هؤلاء الأشخاص حلولًا تنظيمية منطقية لحياتهم اليومية، بما في ذلك نصائح تخزين و وضع علامات منقوشة على العلب. مثل هذه النصائح قد تبدو سهلة وواضحة. لكنها في الواقع مجهولة أو غير معمول بها عند كثير من الناس.

يقول محسن، صاحب  الأربع والأربعين ربيعا، ضعيف البصر ويعيش بمفرده في المنزل: »أضع ملصقات بأشكال مختلفة على العلب الموجودة في الخزانة لتمييز الطماطم المركزة عن الهريسة ». يقول: « عندما يتعلق الأمر بالتوابل ، يمكنني تمييزها عن طريق الرائحة ، لكنني دائمًا أضعها بالترتيب نفسه لتسريع عملية الطبخ ». و يضيف « أما للأدوية فهي مكتوبة بطريقة برايل إذا كانت مستوردة ولكن تلك المصنوعة في تونس ليست كذلك ».

أما برهان، وهو أب ذو إعاقة بصرية ويبلغ من العمر 35 عامًا، فإنه يجهز قنينة رضيعه البالغ من العمر 9 أشهر بمفرده. « لست بحاجة إلى تمييز المستويات على الزجاجة. أعلم أنني يجب أن أضع مقدار 3 أكواب من الماء ثم أضيف 5 ملاعق كبيرة من الحليب المجفف. » ثم يقول مبتسما « لقد شرحت لي زوجتي ، في المرة الأولى، كيفية القيام بذلك ثم أصبحت أحسن الاعتماد على نفسي. »

كثيرا ما تتجاهل السلطات العامة مسألة التخطيط الحضري وإمكانية الوصول إلى الطرق العامة. تقول بشرى التي بلغت 51 سنة، والتي يتدهور بصرها منذ 6 سنوات بعد إصابتها بمضاعفات في شبكية العين جراء مرض السكر: « أما بالنسبة للعصا البيضاء ، فأنا أستخدمها لاكتشاف العوائق عند تنقلي خارج البيت، لأجعل العبور أكثر أمانًا. »وتستنكر بشرى وعورة الأرصفة واحتلالها الفوضوي برفوف المتاجر وطاولات المقاهي.

يتم ذلك على الرغم  من  المادة 10 من القانون رقم 83 المؤرخ 15 أوت 2005 بشأن تعزيز وحماية الأشخاص ذوي الاحتياجات الخصوصية: « تعمل الدولة والجهات البلدية والشركات والمؤسسات العامة والخاصة لصالح تنمية البيئة ، وتكييف وسائل الاتصال والمعلومات ، وتسهيل حركة المعوقين وحصولهم على الخدمات ».

ويقول عاطف، رئيس جمعية الثقافة والترفيه للمكفوفين في صفاقس (ACLAS)، أود لو أضيف إلى عملية « سيب الترتوار »،  عملية » إستوي الترتوار ». سيكون، الرصيف بذلك متاحا للكراسي المتحركة وكبار السن. » وعربات الأطفال!

الحلول التي تقدمها التقنيات الجديدة أكثر عددًا.هناك حلول تقدمها التقنيات الجديدة التي تتراوح من الكتب الصوتية والمكبرات عن بعد إلى برامج التكبير وقارئات الشاشة على الهواتف الذكية أو أجهزة الكمبيوتر. بالإضافة إلى التفاعل المعتاد وعبر الأوامر الصوتية، فإنها تسمح بالتعرف التلقائي على الأحرف في المستندات ، ومؤخراً، الأشياء الموجودة في الصور.بعض هذه الحلول باهظة الثمن ، لكنها تتجه إلى أن تصبح مشاعة عند مصنعي هذه التقنيات الرقمية. على سبيل المثال، Google Talk موجود في جميع هواتف AndroidوNVDA هو قارئ شاشة مجاني مشاع يمكن تثبيته على الكمبيوتر. القيد الرئيسي هو أن تكون قادرًا على البدء في استخدام هذه الأدوات وأن يصير محررو المحتوى أكثر مراعاة لقواعد الوصول الرقمي.

الحصول على مساعدة أشخاص آخرين ضروري في بعض الأحيان ولكن اللجوء إليها يجب أن يقتصر على الطلب الصريح من الشخص المعني. فالأشخاص المحيطون الذين يفرضون مساعدتهم يقللون ،من حيث لا يشعرون، ثقة الشخص ذي الاحتياجات الخصوصية بقدرته على إعادة بناء حياته بطريقة مستقلة. لا سيما عندما تكون الإعاقة حادثة أثناء الحياة.

هل تفرض الدولة الوصاية على ذوي الاحتياجات الخصوصية؟

ماذا لو كانت هذه « الحماية » المبالغ فيها صادرة من الدولة نفسها؟

إن بعض القوانين تفرض على المواطنين ذوي الإعاقات الحسية (بما في ذلك البصر) شكلاً من أشكال الرقابة التي تحد من استقلاليتهم الإدارية والقانونية.

ومن الشواهد على ذلك القانون رقم 94-103 المؤرخ في 1 أوت 1994 ، الذي ينظم عملية التعريف بالإمضاء والتصديق على مطابقة النسخ للأصل. فإن هذا القانون يُلزم بإحضار شاهد لإتمام عملية التعريف بالإمضاء المصادق عليه بتقرير صادر من البلدية. وتذكر آمنة ، وهي ناشطة بإحدى الجمعيات:  » كان لا بد من إحضار شاهدين اثنين، قبل عام 2008! ».

هل يحتاج الأمر حقا شاهد لتوقيع وثيقة قام المعني بالأمر بتحريرها وطباعتها بنفسه؟

من المعلوم أن الموظف البلدي يتحقق عادةً من معرفة الموقّع بالوثيقة التي يريد توقيعها. فما المبرر من عدم الإبقاء على نفس الإجراءات مع شخص يعاني من إعاقة حسية. ما المانع من التعامل معه بنفس الطريقة؟

الأدهى من ذلك، أن بعض مسؤولي البلديات أو الديوانة يطلبون من الموقّع ذو الاحتياجات الخصوصية وضع بصمة أصبعه ولا يقبلون بتوقيع الوثيقة بالقلم. لقد حاولنا التحقق من مدى قانونية هذا الإجراء، لكننا لم نعثر على ما يمكن أن يضفي المشروعية على هذه الممارسة. 

الملاحظ أن الإشارة الوحيدة لمسألة التوقيع بوضع البصمة، توجد في حالة من لا يجيد القراءة ولا الكتابة. فهل اختلط الأمر على البلديات، فوضعوا  جميع الأشخاص ذوي الإعاقات الحسية في هذه الفئة. إنه بلا ريب حيف كبير وإذلال يقع على هؤلاء.

يوجد قانون آخر أيضا وهو القانون رقم 60-94 المؤرخ 23 ماي 1994 بشأن تنظيم مهنة كتاب العدل. هذا القانون يفرض أن يكون للشخص ذو الاحتياجات الخصوصية مرافق معين من قبل المحكمة المحلية. لقد ذهبت بعض البنوك (لحسن الحظ ليس كلها) إلى حد فرض وجود مثل هذا الشكل من الممارسة والحجر في العمليات المصرفية. بعض المسؤولين يدافعون عن أنفسهم ويبررون مثل هذا بقولهم: « هذا أمر طبيعي لحمايتهم بشكل أفضل من الانتهاكات ».

يقول أحمد، وهو طالب كفيف يقطن في مدينة غير تلك التي تقطن بها عائلته: « لم أتمكن من سحب أموالي في بداية الشهر لأن مرافقي المعين كان مريضًا. لم يقبل البنك صديقًا آخر موثوقًا به أحضرته في ذلك اليوم، كان عليّ العودة إلى المحكمة لتغييره ».  يقول أحمد بنبرة ساخرة من مثل هذا الموقف: « يمكنني باستعمال حاسة اللمس أن أميّز بين الأوراق النقدية تمييزا تاما. » ويقول أيضا: « لدي القدرة الكاملة على تقرير ما إذا كنت بحاجة إلى مرشد أو لا، لكنني أرفض أن يُفرض عليّ بهذه الطريقة ».

هذا النهج الذي يفرض حجرا ووصاية على ذوي الاحتياجات الخصوصية يحتاج إلى مراجعة عاجلة. يجب تمحيص النصوص القانونية التي تقيد الأشخاص ذوي الاحتياجات الخصوصية بدلاً من تحريرهم وجعلهم أكثر استقلالية. إن الدور الريادي للدولة في رقمنة الخدمات أمر أساسي وسيفيد جميع المواطنين.

يوجد في بعض البلدان أشخاص ذوو إعاقات الحسية لكن ذلك لم يمنعهم من أن يصبحوا رجال أعمال وقادة سياسيين وفنانين وحائزين على جائزة نوبل وصحفيين ، إلخ. لا يمكن تصور مثل هذا في تونس التي  شهدت -للمفارقة- حديثا، أول رؤساء البلديات والوزراء من ذوي الاحتياجات الخصوصية. كما أنجبت تونس راديو ويب جماعي يهدف إلى تأكيد حالة وحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخصوصية.
هذه كلها خطوات أساسية لتحقيق استقلالية أصحاب الاحتياجات الخصوصية وتسهيل قبولهم في العائلة و في المجتمع. ولا يمكننا التوقف عند هذا الحد! يبقى السؤال حول واقع الهياكل الداعمة لإعادة التأهيل وتعويض الإعاقة التي نعتزم دراستها في مقال قادم.

مقالات في سلسلة الإعاقة

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.